أبو الليث السمرقندي

412

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

أسباط عن السدي ، قال : بعث النجاشي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اثني عشر رجلا من الحبشة ، وسبعة قسيسين ، وخمسة رهبان ينظرون إليه ويسألونه ، فلما لقوه ، وقرأ عليهم ما أنزل اللّه عليه بكوا وآمنوا به ورجعوا إلى النجاشي . فهاجر النجاشي معهم . فمات في الطريق . فصلى عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمسلمون واستغفروا له . وروى ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، أنه سئل عن هذه الآية فقال : هم الوفد الذين قدموا مع جعفر الطيار من أرض الحبشة . وعن الزهري ، أنه سئل عن هذه الآية فقال : ما زلنا نسمع أنها نزلت في النجاشي وأصحابه . ثم قال : ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً يعني : المتعبدين ، وأصحاب الصوامع ، ويقال : قِسِّيسِينَ علماؤهم ، وَرُهْباناً يعني : خائفين من اللّه تعالى ، وقال بعض أهل اللغة : القس والقسيس : رؤساء النصارى ، والقس بفتح القاف النميمة . ثم قال : وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ يعني : لا يتعظمون على الإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلم والقرآن . وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ يعني : تسيل من الدمع ، مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يقول : مما عرفوا محمدا صلى اللّه عليه وسلم نعته وصفته ، يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا بالقرآن بأنه من اللّه ، فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ يعني : المهاجرين والأنصار . وروى عكرمة عن ابن عباس قال : مَعَ الشَّاهِدِينَ هم أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، يشهدون له بالبلاغ ويشهدون للرسل أنهم قد بلغوا الرسالة . ثم قال : وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وذلك أنهم لما رجعوا إلى قومهم ، قال لهم كفار قومهم : تركتم ملة عيسى ويقال : إن كفار مكة عاتبوهم على إيمانهم . وقالوا : لم تركتم دينكم القديم ، وأخذتم الدين الحديث ؟ . فقالوا : وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ ومعناه : وما لنا لا نصدق باللّه أن محمدا رسوله ، والقرآن من عنده ، وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ يعني : وبما جاءنا من الحق ، وَنَطْمَعُ يقول : نرجو ، أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ يعني : مع المؤمنين الموحدين في الجنة فمدحهم اللّه تعالى ، وحكى عن مقالتهم ، وأخبر عن ثوابهم في الآخرة . فقال : فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا من التوحيد ، جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ يعني : ثواب الموحدين المطيعين . وقد احتج بعض الناس بهذه الآية ، أن الإيمان هو مجرد القول ، لأنه قال : فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا ولكن لا حجة لهم فيها ، لأن قولهم كان مع التصديق ، والقول بغير التصديق ، لا يكون إيمانا . ثم بيّن عقوبة من ثبت على كفره ، ولم يؤمن ، فقال : وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا